محمد أبو زهرة
1530
زهرة التفاسير
الذوق هو الإحساس ، وهو هنا الإحساس بالألم ، والتأصل في الذوق أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه ، وهو هنا للألم ، فالتعبير فيه تهكم عليهم ، كما قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) [ الانشقاق ] ، والحريق النار الملتهبة ، وهذا الكلام فيه إيجاز حذف ، إذ أن السياق تضمن حذف كلمات دل فيها ما ظهر على ما طوى ، إذا المعنى سنكتب ما قالوا وما فعلوا ونلقيهم في جهنم وبئس المصير ، ونخاطبهم وهم يصلون نارها بقولنا : ذوقوا عذاب تلك النار الملتهبة وآلامها ، وذلك مثواهم ، وقد صرح سبحانه بالسبب في ذلك العذاب الأليم ، وإن كان ما مضى دالا عليه فقال : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . أي ذلك العذاب الشديد الأليم بسبب ما قدمت أيديكم وما تكلمتم به ، والتعبير ب بِما قَدَّمَتْ ، وتخصيص الأيدي بالذكر ؛ للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته ، ولأن أكثر الشر يكون ببطش اليد ، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به ، والاتصال بذاته . وإذا كان ذلك العذاب لأجل هذا العمل ، فهو لا ظلم فيه ، وفوق ذلك فإنه لو أهمل حسابهم لكان اللّه ظلاما لعباده بتسوية المحسن بالمسىء ، فكان العذاب لينفى عن ذات اللّه تعالى الظلم ، وأبلغه وأقصاه بأن يتساوى المحسن والمسىء ، وقد نفى اللّه سبحانه وتعالى عن ذاته الكريمة تلك التسمية ، كما قال تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) [ ص ] . ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين .